ابن عجيبة
566
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
السماء ، كما فعلنا معك يوم بدر والخندق ؛ لحظوتك عندنا . وفيه تحقير لإهلاكهم ، وتعظيم لشأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قال في الكشاف : فإن قلت : لم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق ، مع أنه كان يكفى ملك واحد ، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل ، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة ؟ قلت : لأن اللّه فضّل محمدا صلى اللّه عليه وسلم بكل شئ ، على كبار الأنبياء وأولى العزم ، فضلا عن حبيب النجار . ه . ملخصا . إِنْ كانَتْ العقوبة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ، صاح عليهم جبريل عليه السّلام فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ؛ ميتون . الإشارة : كل وعيد ورد في مكذّبى الرسل يجر ذيله على مكذّبى الأولياء ؛ لأنهم خلفاء الأنبياء ، إلا أن عقوبة مؤذى الأولياء ، تارة تكون ظاهرة ، في الأبدان والأموال ، وتارة باطنة ، في قسوة القلوب والتعويق عن صالح الأعمال ، وكسف نور الإيمان والإسلام ، والبعد وسوء الختام ، وهي الحسرة العظمى ، كما قال تعالى : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 30 إلى 32 ] يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 30 ) أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 32 ) قلت : كَمْ أَهْلَكْنا : معلّقة ليروا عن المفعولين . و أَنَّهُمْ : بدل من كَمْ ، والتقدير : ألم يروا كثرة إهلاكنا قبلهم من القرون كونهم غير راجعين إليهم . و وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ : من قرأ « لما » بالتخفيف « 1 » ، فإن : مخففة ، واللام : فارقة ، و « ما » مزيدة ، أي : وإنه ، أي : الأمر والشأن لجميع محضرون عندنا . ومن قرأها بالتشديد ؛ فإن : نافية ، و « لمّا » : بمعنى إلا ، أي : ما كلهم إلا مجموعون ومحضرون للحساب . يقول الحق جل جلاله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ تعالى ، فهذا أوان حضورك . ثم بيّن لأي شئ كانت الحسرة عليهم ، فقال : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ من عند اللّه إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ، فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين ، المنوط بنصحهم خير الدارين ، أحقّاء بأن يتحسّروا ، ويتحسّر عليهم المتحسّرون ، ويتلهّف المتلهّفون . أو : هم متحسّر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين . أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أي : ألم يعلموا كثرة إهلاكنا قبلهم من القرون الماضية ، أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ أي : كونهم غير راجعين إليهم أبدا حتى يلحقوا بهم ، ففيهم عبرة وموعظة لمن يتعظ . وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
--> ( 1 ) قرأ ، ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة « لمّا » بتشديد الميم . وقرأ الباقون بالتخفيف . انظر الإتحاف ( 2 / 400 ) .